Facebook Youtube Twitter
  • tatheer algenan
  • tarpayet alnashah fe doaa alsera
  • Anwaar al masalek sharah omdat alsalek
  • Almathorat
  • alfeqh ala almazahb alarba algoza alkhamis
  • alfeqh ala almazahb alarba algoza alrabea
  • alfeqh ala almazahb alarba algoza althaleth
  • alfeqh ala almazahb alarba algoza althani
  • alfeqh ala almazahb alarba algoza alawal
  • Almoqademat almomahedat algoza althaleth

الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن علي الأنصاري
 
(1298هـ- 1380هـ)    (1864م- 1946م)
هو سيدنا القاضي الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن علي الأنصاري، من أحفاد أنصار الرسول الأكرم  ،ويرجع نسبه إلى التابعي الجليل سعيد بن سيدنا قيس بن سيدنا سعد بن عبادة، فهو ساعدي من بني كعب الخزرجيين، فهو حفيد أحد سادة الأنصار، سيدنا سعد بن عبادة.
وقد نزل الشيخ قطر في أوائل حياته وهو شاب لم يبلغ الحلم بعد، قبيل عام (1878م) تقريبًا، وعمره آنذاك أربعة عشر عامًا، وأمَّ الناس للصلاة فيها.. ثم تولى القضاء فيها.. واستقر فيها إلى أنْ توفي رحمه الله.
يقول الشيخ عبد الله الأنصاري عنه في كتاب الشَّيخ إبراهيم الموسوم (بإرشاد الحيران لمعرفة آي القُرآن):
"مولده وطفولته الأولى
ولد المرحوم الشيخ إبراهيم... في اليوم السابع من شهر رجب عام 1298هـ، بقرية تسمى (جفر مسلم) بساحل فارس... وعند ولادته -رحمه الله- كان يتولى هذه القرية المرازيق، وهي فخيدة من العجمان... نشأَ -رحمه الله- وترعرع، وسط هذا الجو الديني الرحب بهذه القرية، وكان له شقيق يدعى أحمد... -رحمه الله-, وقد درس الوالد -رحمه الله- القرآن وهو صغير، وبدا شغوفاً بالعلم من صغره إلى أن بلغ التاسعة من عمره، حيث فجع بوفاة والده -رحمه الله-.
وقد قامت أمه -رحمها الله- بكفالته، وتربيته رغم ما كانت فيه من فقر، إلا أن الله لا ينسى أبداً عباده، فمرت عليه هذه المرحلة من العمر بسهولة ويسر.
وكان يجلس أمام بيت والده، فإذا مرّ به أحد من أهل العلم والمعرفة، طلب منه أن يستمع إليه، وقام يقرأ عليه السور التي يحفظها من القرآن الكريم.
وقد كانت دراسته الأولى على الشيخ محمد علي مدالي، ولكنه كان نجيباً يسبق ذكاءه سنه، ولاحظ أن المطوع كان عيّاً، لا ينطق بكثير من الكلمات نطقاً صحيحاً، لذلك استأذن والدته في الرحيل طلباً للعلم، في قرية تسمى (جناح) وهي بلدة مشهورة بحفظة القرآن، فلقي هناك عدداً من الحُفَّاظ، وأم المسجد فوجد حلقات للدرس ذات سعة فمكث هناك أكثير من عام، حيث ختم القرآن الكريم، وحفظ كثيراً من السور، وكان بهذه القرية شيخ مسنٌّ يدعى ملا حسن عبد الله، أخذ يعلمه القراءة والكتابة على طريقة أبجد، فكان يكتب حيناً على ورق، وأحياناً على الخشب أو على الأرض، حيث كان يجلس معه معلمه ويصحح له..
هكذا نشأ ـرحمه الله ـ مغرماً بحب العلم، حتى بلغ الرابعة عشرة، فسافر إلى دبي بصحبة عدد من المسافرين، وبقي بها أياماً، ولكنه كان في معزل عن جماعته، لأن بضاعته غير بضاعتهم وطلبه غير مطلبهم، فهم من رجال البحر الباحثين عن المال في قعر البحر بين محارات اللؤلؤ، وهو باحث عن العلم بين أطناب الكتب وأفواه الرجال، وشتان بين مطلبه ومطلبهم ..
ولم يطب له المقام في دبي، فعزم على السفر إلى قطر أو البحرين وتوكل على الله وأبحر مع جماعته إلى البحرين، إلا أن ريحاً عاصفاً فاجأتهم في عرض البحر، فلجؤوا إلى ساحل قطر، حيث نزولوا الخور وتوجهوا إلى رئيس القرية وكان يدعى عيسى بن علي الإبراهيم، فتلقوهم بالترحاب والاحترام، ودعوهم يومها للعشاء، وعندما أذن المؤذن للمغرب أَمَّ القوم المسجد وكان صاحبنا في مقدمتهم، وما أن أقيمت الصلاة حتى التفت رئيس القرية إلى الجماعة وسأل الفتى اليافع:
ـ هل أنت بالغ يا ولد ..؟
فأجاب : نعم.
فقال: إذن فصل بنا.
فتقدم -رحمه الله- فأَم القوم، وفتح الله عليه بقراءة عذبة استقطبت أفئدة الجماعة، مما دعاهم لدعوته بالبقاء معهم ليكون إمامهم، فصادفت هذه الدعوة هوى في نفسه، فاستخار الله، وقرر البقاء، حيث لقي منهم المحبة والاحترام والإكرام.
توطنه في قطر وزواجه
يقول -رحمه الله- في تأْريخ هذه الفترة من حياته:
(... وبعد مضي ثلاث سنوات، أي في عام 1317هـ كنت قد تآلفت بالجماعة في الخور، وتآلف معي شبابهم وأخذنا ندرس القرآن الكريم، ونتسابق في حفظه، وكانت هذه نعم الرابطة التي توثق أواصر الأخوة والمحبة بين الشباب، واستقر بي المقام في هذه البلاد.
ولم يمض وقت طويل حتى بدأْت أفكر في الزواج فبه يكمل دين المرء، وحينما يكون قلب الإنسان معلقاً بالله تعالى، فإن الله يكفيه كل ما يطلب، لذلك لم يمض طويل وقت حتى فاتحني عقلاء الجماعة في هذا الأمر، ورشحوا لي امرأة من أفضل النساء ديناً هي؟ المطوّعة (فاطمة محمد المسعود) وكانت تكبرني بعض الشيء، إلا أنني سارعت بالموافقة، وتوكلت على الله وبدأت أعد المهر ومطالب الزواج، وقد ساعدني الجماعة ـ أكرمهم الله ـ بمبلغ ثمانية عشر ريالاً فرنسياً ـ وكانت هذه هي العملة السائدة في تلك الأيام ـ فبادرت بالخطبة وقمنا بإجراءات العقد الشرعي ودخلت بها ليلة الجمعة من شهر ربيع الأول. وقد رزقت منها بعد عام بمولود سميته محمداً عاش سبعة أشهر وتوفاه الله على أثر مرض الجدري ثم منَّ الله علينا بعد ذلك بعام ببنت هي شيخة ـ رحمها الله ـ زوجة المرحوم صالح بن أحمد بو مطر. وهي أم الأولاد إبراهيم ومحمد وعبد الله وأحمد وناصر وبعض إخوتهم الذين قدموا إلى الله تعالى صغاراً.
رحلته إلى فارس
يقول -رحمه الله- تذكرت والدتي وأخي وعشيرتي وأصدقائي وإخواني، فاشتاقت نفسي لزيارتهم، فعزمت على السفر بعد التوكل على الله، ركبت المركب إلى دبي ومنها توجهت إلى لنجة، وكانت هذه الرحلة من أعز الرحلات في حياتي، إذ كان بي شوق مفعم لطلب العلم وللقاء عالم جليل هناك ذاع اسمه في الساحل كله وشبه الجزيرة العربية، كان هذا العالم يدعى عبد الرحمن (سلطان العلماء) فما وطئت قدماي أرض بندر لجنة حتى سألت عن صاحبي هذا فأرشدوني إليه، وبقيت عنده شهراً كاملاً، إذ أنساني علمه، وفضله، الأهل، والمقصد الذي من أجله رحلت من الخور، وبعد ذلك استأذنت لزيارة والدتي وأخي وعشيرتي، فأذن لي بذلك بعد أن مد لي يد المساعدة ثم قال: (سوف ترجع إن شاء الله، وتدرك الخير، وأخر الزواج إلى العام المقبل) فشعرت بهذه الكلمة من سيدي وشيخي تشق قلبي وعقلي، إذ كانت تعبيراً صادقاً عن فراسة الإيمان وكرامة الصالحين، لأنني كنت قاصدلاً الزواج حال وصولي إلى أهلي.
وكان ذلك سراً لا يعلمه إلا الله تعالى، فما أن سمعت عبارة الشيخ، حتى أيقنت أن النفس لا بد من كسر جماحها عما تشتهي .. وأخيراً سافرت إلى (جفر مسلم) والتقيت بالوالدة والأخ والعشيرة وبقيت هناك عشرة أيام وأشارت والوالدة والأخ والأقارب عليّ بالزواج، ولكنني تريثت قليلاً وقلت لهم: بعد رجوعي إن شاء الله.
... وعدت إلى لنجة، إلى شيخي، وأستاذي .. ومَنَّ الله عليَّ بالفتوح والإدراك .. فأقبلت على العلم ألتهمه التهاماً، ولم تمض شهور قليلة حتى كنت المقدم في الدرس، وسمعت عبارة من الشيخ يقول لأحد طلابه: (إذا أشكل عليكم معنى، فاسألوا الملا الأنصاري).
وكانت هذه هدية كبرى من الشيخ لي .. ومكثت في الدراسة بعد ذلك سنة ونصف واستأذنت الشيخ في السفر لزيارة الأهل، فقال لي الشيخ، (إن شاء الله موفق .. وتتزوج بامرأة صالحة، وتنجب منها وتقر به عينك، وتنفعك في الدنيا والآخرة، ويحيى ذكرك). فاعتبرت هذا القول بمثابة الاستخارة.
... ورجعت إلى الوالدة والأهل، حيث مكثت سبعة أيام، ثم خطبت لي والدتي، وكان هذا الزواج من أبرك وأسهل المطالب في حياتي وإليكم السبب:
لم يكن عندي ذلك اليوم مهراً أدفعه، ولا مالاً أنفقه ولم أُصلِّ المغرب مساء ذلك اليوم إلا وقد وصلني من جهات متعددة مساعدات أكثر من حاجتي، مساعدات من الطعام والدراهم والثياب، فكانت منة من الله تعالى أسداها إلى عبده الفقير. أوزعني الله شكر نعمته.
ثم بقيت أكثر من ثلاثة أشهر رجعت بعدها إلى لنجة، ولكنني لم أستطع التفرّغ للدراسة، فرجعت إلى الأهل بعد أربعة أشهر، وأخذت الكتب معي، لأدرس فيها حيثما أقيم.
وكانت فترة من أحسن فترات عمري ما راجعت درساً أو قرأَت كتاباً إلا ورسخ في حفظي وذهني أكثر أحكامه وعباراته.
وكان شيخي -رحمه الله- قوي المحافظة، قلما يحتاج إلى مسألة إلا ويقول: انظر في كتاب كذا، وفي باب كذا، بل وربما حدد الصفحة جهة اليمين أو اليسار، من فوق أو من تحت، وكان لهذا أكبر الأثر في نفسي وتعلقي به ـ رحمه الله رحمة واسعة.
وقد بقيت في فارس نحواً من ست سنوات، ثم أحال لي أستاذي -رحمه الله- بعض حالات التحكيم للفصل فيها، كما أباح لي الإفتاء في المسائل بالمنطقة التي كنت أسكنها، ثم نُصِّبْتُ لتعليم القرآن فترة من الزمن إلى أن شاء الله أن رحلت بعد ذلك إلى حيث المستقر في أرض قطر ... في الخور.
أخلاقه
(محنته بسبب تمسكه بالحق)
كان -رحمه الله- صعب المراس في تمسكه بالحق وله في هذا المجال قصص تروى ..
من ذلك ما حدث له مع أمير منطقة (جفر مسلم) حيث حصل خلاف بين أمير المنطقة وأحد الأهالي على مجرى ماء النخيل، وكان صاحب الحق هو الضعيف، فحاول أن يأخذ حقه من الأمير فلم يستطع فشكاه إلى الخان (وهذه وظيفة كان يتبعها أمراء المناطق) فكتب الخان إلى الأمير يبصره بالشكاية التي رفعها له صاحبه بخصوص الشجار على مجرى الماء، وأنه لا بد له (أي الأمير) أن ينطلق هو وصاحبه إلى الشيخ إبراهيم الأنصاري ليحكم بينهما، فأرسل الأمير الخطاب إلى الشيخ إبراهيم، الذي قام فوراً ومعه ثلاثة من المحكمين من كبار أهل البلاد إلى مكان الخلاف وعاينوه على الطبيعة، وتأكد لهم جميعاً أن الأمير غير محقٍ، وأنه متعد على صاحبه، إلا أن الأشخاص الثلاثة اعتذروا عن إبداء رأيهم علناً، خوفاً من سلطة الأمير وسطوته، فكتب الشيخ إبراهيم الحكم وسلمه بيد المدعي الذي حمله بدوره إلى الأمير، وما أن قرأه الأمير حتى طاش غضباً، وأخذته العزة بالإثم، وأرسل بعض جنوده إلى الشيخ إبراهيم، فأتوه وهو يقرأ القرآن وناداه كبيرهم:
يا شيخ إبراهيم: الأمير يدعوك.
فأجاب: حالاً
وأخذ عباءته وتوجه إليه، وما أن وصل مجلسه حتى بادره بالكلام
يا شيخ إبراهيم هل أنت الذي حكمت لمدالي (يعني لمحمد علي)؟
فأجابه: هذا حكم الله الذي حكم به الشرع، وليس حكمي أنا.
قال الأمير: أنت مفتر في حكمك
فأجابه: الحكم بيدك، أرسله إلى من شئت
قال الأمير: لن أرسله، ولن أنفذ حكمك
قال الشيخ: بهذا تكون قد عصيت الله وما كانت معصيتك لشخصي أنا..
قال الأمير: لا تكثر الكلام وإلا سجنتك
قال الشيخ: إذا  تكون قد ارتكبت معصية ثانية وهيي أنك تظلم من نصحك بالحق، وبهذا تكون من الأمراء الجائرين..
قال الأمير بعصبية: خذوه إلى السجن..
كان الوالد الشيخ وقوراً، مهيباً وكانت هذه الهيبة تدخل قلب كل من رآه ولو لأول مرة،ولذلك تهيب الجنود في تنفيذ أمر الأمير، وتحيروا فانقذهم الشيخ بكلمة قالها:
- من يدلني على السجن.. سأذهب إليه وحدي.. لأنني أدرك تمام الإدراك أنه لن ينفذ أحد أمرك هذا.. وبذلك فإنك تثير الفتنة والشر بيني وبين جنودك.. بيدك القوة، ولكن لا تنسى أن الله أقوى منك.
وانتفض قائماً فتلقاه أحد الجنود ليمسك يده، فجذب يده منه وكانت بيده مسبحة انفكت وانفرط عقدها وتناثرت حباتها. وقد قيل فيما بعد ذلك أن بعض الحبات وجدت على بعد أربعين متراً من المجلس.
يقول- رحمه الله- في هذه الحادثة: هنا قدرة إلهية لاشك. لا أزال أحمد الله عليها.. فقد كان يستطيع أن يأمر الجنود بالقبض عليّ، ويكون ما يكون ولكن الله أدخل في قلبه الخوف والوهن والرعب، فكان أكثر ما ردده: يا حسون ، اذهب  معه ودله على السجن.
في السجن
كانت فترة من أعصب فترات حياته، إذ كان الامتحان قاسياً، فما أن وصل إلى السجن حتى أمر الأمير بما يأمر به الظالمون دائماً:
قللوا عنه الطعام والشراب..
وأنى لهم ينالوا من جبل أشم يستعين بربه..
كناطح صخرة يومـاً ليوهنهـا
     فلم يضرها وأوهى قرنـه الوعـل
و بدأت المساومات.. ارجع يا شيخ عما قلت.. احكم للأمير تكن  من جلسائه والمقربين إليه.. تنال الخير وكل يوجه نصيحته بهذا القول.
وكان رحمه الله يضحك، وحدث مرة أن سأله الأمير:
كيف تضحك وأنت فيما أنت فيه من الإذلال؟
ويجيبه الشيخ: أضحك عجباً، على أمير في مقامك يحاول بالباطل ليدحض به الحق، طلبك هذا مستحيل ولن تناله مني أبداً- وقد شاهدته بعيني بصيري وكنت أبكي وأنا صغيراً آنذاك ولكن لم تلن قناته إلا أنه كان يكثر من قوله حسبنا الله ونعم الوكيل.
ولما يئس الأمير منه، أمر بشده بالحبال على الخشب وهو واقف، وهذا هو أسلوب الظالمين في كل زمان ومكان، وكان الشيخ يردد بصوت عال ليسمعه كل من يسمع وهو مشدود بالحبال: اعمل ما تريد.. فوالله لا تجدني راجعاً عن الحم بما أنزل الله، أما أنت فجزاؤك عند الله. إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
وقد بقي في السجن سبعة أيام، وشاع الخبر في القرى والمدن القريبة ولم يقف شقيق الشيخ- رحمهما الله مكتوف الأيدي أمام هذه النازلة، فذهب مع المدعي إلى الخان وقدما شكاية، فاهتم بالأمر وأرسل سبعاً من رجالات الدولة إلى (جفر مسلم) وقد شاع الخبر في الناحية قبل حضور رجال الدولة، فاطلق الأمير سراح الشيخ خوفاً من سطوة الخان.
وعند عودة الشيخ إلى البيت نادى زوجته وأمرها يجمع كل الأغراض لفراق هذه البلاد التي يهان فيها المسلم العادل، وةيعتدي فيها على الحرمات..
وأرسل صديقاً له يدعى أحمد ملا حسن إلى ميناء (مغوه) ليبحث له عن سفينة يفارق بها هذه البلاد..
وفي صبيحة اليوم الثاني أمر بتحميل الأغراض الخفيفة وأبقى ما ثقل حمله عند العم أحمد وقسم البعض على محبيه، وسار الركب  إلى (مغوه) وبات الجميع بها..
أما ما كان من أمر رجالات الدولة  الذين أرسلهم الخان إلى الأمير، فقد وصلوا إلى (جفر مسلم) وبدأ التحقيق، وتنصل الأمير عما فعل، وأخبرهم بأنه قد سجن الشيخ لأنه تطاول عليه وسبّه ، وليس من أجل الحكم. وكان الخان قد وصاهم بتنفيذ الحكم حالما يصلون، فوقفوا على مجرى الماء ونفذوا الحكم على ما حكم به الشيخ، ثم توجهوا إلى (مغوه) ومعهم الأمير وطلبوا من الشيخ الرجوع، ولكنه رفض وأصر على الفراق، وأخبرهم  بأنه قد عاهد الله على السفر، ولا يستطيع نقض العهد. وأمام إصرارهم خاطبهم قائلاً: بلغوا الخان خاص تحياتي وجزيل سلامي، وأفهموه انني سوف أحقق عن قريب إكراماً له، أما الآن فلا يمكنني نقض عهدي مع الله..
وقد كتبت فيما بعد رسالة إلى الخان، شكره فيها ودعا له بالتوفيق والسداد في إقامته حكم الله وتنفيذ شريعته.
وسافر الشيخ إلى حيث عزم.. إلى الجزيرة العربية.
الرجوع إلى قطر
سافر الشيخ عام 1344هـ من بندر (مغوه) إلى دبي في سفينة كان قصدها دبي، حيث بقي بها ثلاثة أشهر ثم تابع الخان طلب رجوع الشيخ، فرجع إلى لنجة وبقي بها أياماً يسيرة أوصل فيها أهله إلى جفر مسلم، ثم توجه إلى البحرين وأنا  معه وكنت في سن التاسعة آنذاك، ثم توجه بحراً، ثم إلى قطر.
(.. وفي اليوم الثاني ونحن في البحرين، وكان ذلك إبان حكم حياة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة- رحمه الله- وعلم الوالد أنه يجلس في المحكمة، بجوار سوق الخميس يستقبل الناس، فذهب إليه وكنت معه، وسلم وسلمت عليه، وسأل الوالد بعد أن قبلني: هل هذا ابنك؟
فأجابه الوالد- رحمه الله-: نعم
فدعا لي- رحمه الله- بالبركة، وأذكر فيما أذكر أن الشيخ عيسى- رحمه الله كان قصير القامة كث اللحية أبيض اللون مشرباً بحمرة، عليه وقار، يحمل العصى ويلبس البرقاء والشطفة وغترة الشال، وكان معه  ابنه حمد- رحمه الله- أطول رجل في آل خليفة، حنظي اللون، يميل إلى السمرة، مهيب في مظهره، طيب في خلقه، يحترم والده، ويمشي خلفه.
نزلت مع والدي الشيخ من السفينة إلى السوق، وكان مزدحماً بالناس وأذكر أنني لشدة الزحام انقطعت من الوالد وضعت منه، وبحثت عنه فلم أجده، فرجعت إلى طريقة يسيرة، وهيي أن أذهب إلى السفينة ليكون فيها الملتقى، وفعلاً رجعت إليها، وكانت هذه السفينة ملكاً لأحد القطريين من الخور.. فذهبت إلى لاسفينة وتلقاني فيها أحد القطريين، فأخذ بيدي ووجدني متكدراً، تكاد العبرات تحنقني، وسألني عما بي فأخبرته بأنني تهت وانقطعت عن الوالد، فأجابني: الحمد لله أن وصلت السفينة، فأخبرته بأنني متكدر من أجل الوالد، فقال لي: بارك الله فيك هذا الوالد قد وصل. وإذا بالوالد- رحمه الله- فيما أن رآني حتى ضحك ضحكة الفرح ونزل إلى السفينة وقبلني، وطال الوقت. وفي المساء سافرنا إلى الخور بنفس السفينة.
في الخور
عدنا إلى الخور، وتلقانا الجماعة بها بالبشر والترحاب، وكانت إقامتنا في مجلس صالح بن أحمد بومطر مدة ثلاثة أشهر، ولعل القارئ يذكر الصلة التي بين الوالد وبينه من الفصل الأول وهو زوج الرضيعة شيخة.
ثم تزوج الوالد- رحمه الله- والدة محمد بن عثمان وانتقل إلى البيت الذي تسكنه واشترى هذا البيت وصار ملكاً له.
استقام- رحمه الله- بالخور بعد أن تزوج وكان قاضياً بها، وكان الخور آنذاك تعتبر بمثابة العاصمة الثانية بعد الدوحة، وكانت تتبعها قرى وبلدان عديدة عامرة بالناس من مختلف القبائل.
كان يعمل قاضياً شرعياً، وبدون مقابل، ولم يكن له مرتب من الدولة ولم يطمع في ذلك، وإنما كان عمله تطوعاً منه، تحال إليه القضايا من حاكم البلاد الشيخ قاسم بن ثاني، وبعده الشيخ عبدالله بن قاسم ثم الشيخ حمد بن عبدالله- رحمهم الله- فيفصل فيها، وكثيراً ما كان يؤدي الحقوق عن المدينين إذا ثبت عجزهم عن أدائها من ماله، ولربما ساهم بجزء من ذلك حسب حالة المدين .
كان بيته في الخور مثابة للناس، ومجلسه عامر يؤمه القوم ضيوفاً، وزائرين ومسلمين، فيجدوا منه البشاشة ورحابة الصدر.
كان مهيباً في هيئته، وقوراً، عذب الحديث، ذكياً لماحاً، له فراسة خارقة للعادة في معرفة الرجال، ولربما زاره الزائر، وغاب عنه الشهور، بل والسنين، ثم عاد إليه، فيذكره رغم كثرة الوافدين إليه، ونوادره في ذلك كثيرة لا تحصى..
وقد كان لوضعه الاجتماعي كقاضي لجميع بلاد شبه الجزيرة التي تلي الخور شمالاً تكاليف باهظة، ولكن الرزاق- سبحانه وتعالى- كان له نعم المعين.
و قد نتج عن وضعه كقاض أيضاً صلات كثيرة بينه وبين العلماء في منطقة الخليج والساحل الجنوبي في حضرموت وعمان واليمن، وامتدت الصلات إلى مكة المكرمة ثم إلى علماء مصر..
كان كثيراً ما تأتيه القضايا المعقدة، وكان لا يبرم رأياً ولا يفتي إلا بعد التأكد، وكانت له مراسلات مع كثير من العلماء في الأمصار المختلفة، مما جعل له مكانة علمية مرموقة في عصره.
وقد استداه هذا الوضع الاجتماعي إلى انفاق زائد عن الحد، كان يفرح بمجيء الضيوف ويبش في وجوههم، ويبحث عن القرى لهم فلا يجد- بل وكثيراً- ما اقترض، ورهن بعض أمتعته، ولي زوجته في سبيل ضيف قادم لا يعرفه.
كان-رحمه الله- كثير التوكل على الله، ذا عقيدة صالحة بأن الله يسهل له ما يقصد، وفعلاً لم يضق به عيش ولله الحمد طيلة حياته.
وكثيراً ما يكون قلقاً بعد صلاة المغرب إذا لم يطرق بابه طارق، ولم يأته ضيف، فيؤخر العشاء إلى ما بعد العشاء، فلربما يسوق الله له ولأسرته ضيفاً حتى يهنأوا بعشائهم، وكان يجدر عليه انطباق قول الشاعر:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسـي لـه
       أكيلا فإني  لست آكلـه وحـدي
وقد عاش كذلك طيلة حياته، ومجلسه مأوى لكل قادم، وعلمه معروض لكل سائل، وماله لا يبخل به فقير أو مستجير، أو عابر سبيل..
لم يخلف مالاً، وإنما خلف سمعة طيبة طوت الآفاف وعمت الأمصار في شبه الجزير، وعرفه أهل البادية والحضر، ووقروه واحترموا رأيه وقراره فيما كان يعرض عليه للقضاء.
وخلف حكايات يرويها الأجداد اليوم إلى أبنائهم وأحفادهم، فقد كان- رحمه الله- طاقة كبيرة في الكرم وحب الناس وسعة الصدر، وطيب القلب، وحسن النية والطوية..
هكذا كان إلى أن توفاه الله في اليوم الثامن من شعبان عام 1380هـ.. رحمه الله رحمة واسعة"([1]).
وكان رحمه الله عالمًا بالفقه، يفتي على المذاهب الأربعة([2])، وعالمًا باللغة أيضًا.. والفلك.. وبارعًا شديد البراعة في المواريث، تبهر براعته جميع من عرفه.
ويُذْكَرُ أنَّه رحمه الله حلَّ مسألة من مسائل المواريث المعقَّدة، والتي أخذ فيها أحد العلماء يومين في مجلس واحد، وكانت حُملت من فارس إلى الأزهر الشريف لحلها، فراح كل عالم يحيلها على آخر لصعوبتها، ثم أخذها أحدهم وعكف عليها لمدة يومينن، وفي طريق عودة حاملها إلى فارس نزل بالشيخ إبراهيم، فلما رأى المسألة حلَّها في مجلس واحد([3]).
وقد تولى القضاء لحاكم قطر الشيخ/ قاسم بن محمد آل ثاني رحمه الله ، ومن بعده ابنه الشيخ عبد الله آل ثاني، فالشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، ثم الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، إذ توفي في عهده رحمه الله.
وروى لي الوالد علي بن عبد العزيز المهندي أطال الله عمره أنَّه رأى لدى الشيخ إبراهيم أوراقًا كان يُرسلها الشيخ قاسم رحمه الله إلى الخور لتحمل إلى الشَّمال، فترسل عن طريق البحر إلى البحرين قبل أنْ تفسد العلاقة بين حكام قطر وحكام البحرين([4]).
ولما فسدت العلاقة بين حكام البلدين، وساءت حتَّى وصلت إلى حد حرب الزُّبارة، فخرج الحكام من آل ثاني من الدوحة إلى أن نزلوا بالقرب من الخور (حيث كان الشيخ إبراهيم يسكن)، وهناك كان مع أهل قطر([5])، وخرج إلى الزبارة، وكان من المفترض أنْ يُشارك ابنه الشيخ عبد الله الأنصاري في الزبارة، إلا أنَّ إصابةً أصابت عينه، فمنعه والده من المشاركة في المعركة([6]).
وبقي الشيخ إبراهيم قاضيًا للناحية الشَّمالية من دولة قطر، طيلة حياته، وكانت له مواقف جلية تبين علاقته الطيبة بالحكام، وصواب آرائه الفقهيَّة على مذاهب أهل العلم لا على مذهبه فقط، ومن ذلك موقفه في قضيَّة الوالد عبد الله القلَّداري رحمه الله، والتي تبيِّن وقوفه على حد الحق للحق، وأنَّ اختلاف آراء العلماء لا يفسد للوداد بينهما أي قضيَّة، وموقفه في قضيَّة الشِّيخ محمد بن قاسم بن محمد آل ثاني رحمه الله، وسماحة الوالد الشَّيخ محمد بن مانع رحمه الله تعالى([7]).
فقد كان الوالد القلداري قد سافر في تجارة، وغابت أخباره لمدة خمس سنوات، فحكم سماحة الوالد الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود بجواز تزويجها، وبعد خمس سنوات عاد القلداري، فأبدت زوجته رغبة في العودة إليه، واختار سماحة الوالد الشيخ ابن محمود رأي أهل العلم الذي يبني خم